تُعدّ التربية التحضيرية مرحلة أساسية في المسار التربوي للطفل، فهي تمثل الخطوة الأولى نحو الاندماج في الحياة المدرسية، وتساعده على اكتساب مجموعة من المهارات والقدرات التي تهيئه للانتقال إلى السنة الأولى ابتدائي. ولا تقتصر هذه المرحلة على تعليم الحروف والأرقام، بل تشمل جوانب متعددة من نمو الطفل، مثل النمو العقلي واللغوي والجسمي والنفسي والاجتماعي.
وقد أولت المنظومة التربوية الجزائرية اهتمامًا خاصًا بهذه المرحلة، من خلال تحديد أهداف تربوية وبيداغوجية تسعى إلى تنمية شخصية الطفل ومساعدته على اكتشاف محيطه والتفاعل معه بطريقة إيجابية.
![]() |
| أهداف التربية التحضيرية في الجزائر |
أولًا: ما المقصود بالتربية التحضيرية في الجزائر؟
التربية التحضيرية هي مرحلة تربوية تسبق التعليم الابتدائي، تستهدف تهيئة الطفل للحياة المدرسية من خلال أنشطة تعليمية وتربوية وترفيهية تتناسب مع خصائص نموه واحتياجاته.
وتعتمد هذه المرحلة بصورة أساسية على اللعب التربوي والأنشطة التطبيقية والتفاعل مع الآخرين، باعتبارها وسائل فعالة لمساعدة الطفل على التعلم واكتساب الخبرات الأولى.
وتُعد التربية التحضيرية جزءًا من منظومة التربية الوطنية الجزائرية، حيث نص القانون رقم 08-04 المؤرخ في 23 يناير 2008، المتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية، على إدراجها ضمن مستويات التعليم في الجزائر.
ثانيًا: أهداف التربية التحضيرية في الجزائر
حدد المشرّع الجزائري مجموعة من الأهداف الأساسية للتربية التحضيرية، ونصت المادة 39 من القانون رقم 08-04 على أهدافها الرئيسية، ويمكن توضيحها فيما يلي:
1. تنمية شخصية الطفل وتعزيز قدراته
تهدف التربية التحضيرية إلى مساعدة الطفل على اكتشاف شخصيته وتطوير قدراته المختلفة، وذلك من خلال مشاركته في الأنشطة التربوية والألعاب الجماعية والفردية.
وتشمل هذه الغاية:
تعزيز ثقة الطفل بنفسه.
تشجيعه على التعبير عن أفكاره ومشاعره.
تنمية روح المبادرة والاستقلالية.
تشجيعه على الإبداع والخيال.
مساعدته على اكتشاف ميوله واهتماماته.
2. تنمية المهارات الحسية والحركية
تسعى التربية التحضيرية إلى توعية الطفل بكيانه الجسمي وتنمية قدراته الحسية والحركية من خلال أنشطة متنوعة تتناسب مع عمره.
ومن أبرز هذه الأنشطة:
الرسم والتلوين والتشكيل.
القص واللصق وتركيب الأشكال.
الألعاب الحركية والتوازن.
التعرف على الأصوات والألوان والأشكال.
تنمية التناسق بين حركة اليد والعين.
وتساعد هذه الأنشطة الطفل على التحكم في حركاته واستخدام حواسه بصورة أفضل.
3. غرس العادات الحسنة والتربية على الحياة الجماعية
من الأهداف المهمة للتربية التحضيرية تدريب الطفل على التعايش مع الآخرين واحترام قواعد الحياة الجماعية، خاصة أنه ينتقل من محيط الأسرة إلى محيط مدرسي يضم أطفالًا آخرين.
ويتحقق ذلك من خلال:
تعليمه احترام الآخرين والاستماع إليهم.
تدريبه على المشاركة والتعاون.
تعويده على النظام والنظافة.
احترام الدور والقواعد داخل القسم.
تنمية روح التضامن والمساعدة.
تعليمه المحافظة على أدواته وممتلكاته.
4. تطوير المهارات اللغوية والتواصلية
تعمل التربية التحضيرية على تطوير قدرة الطفل على التواصل والتعبير الشفهي، من خلال وضعيات تواصلية وأنشطة متنوعة وألعاب تربوية.
ومن أهم الأنشطة المستخدمة:
الاستماع إلى القصص والحكايات.
التعبير عن الصور والمشاهد.
المشاركة في الحوارات الجماعية.
حفظ الأناشيد والأغاني التربوية.
تعلم مفردات جديدة.
التعبير عن الاحتياجات والأفكار بجمل واضحة.
وتساعد هذه الأنشطة على إثراء الرصيد اللغوي للطفل وتعزيز قدرته على التواصل مع المحيطين به.
5. اكتساب المبادئ الأولى للقراءة والكتابة والحساب
تسعى التربية التحضيرية إلى تعريف الطفل بالمبادئ الأولية للقراءة والكتابة والحساب، دون تحويل هذه المرحلة إلى تعليم مدرسي تقليدي يعتمد على الحفظ والتلقين.
ويتم ذلك من خلال أنشطة مشوقة وألعاب مناسبة، مثل:
في مجال القراءة:
التعرف على الحروف وأصواتها.
التمييز بين الصور والرموز.
تنمية مهارة الاستماع والفهم.
الربط بين الصورة والكلمة.
في مجال الكتابة:
ممارسة التخطيط والرسم.
التعرف على اتجاه الكتابة.
التدرب على الحركات الدقيقة لليد.
محاولة رسم بعض الحروف وفق مستوى الطفل.
في مجال الحساب:
التعرف على الأعداد والأرقام.
العدّ والمقارنة بين الكميات.
التمييز بين الكبير والصغير.
التعرف على الأشكال الهندسية.
تصنيف الأشياء وترتيبها حسب الحجم أو اللون.
وهذه المكتسبات تمثل قاعدة أولية تساعد الطفل على متابعة التعلمات في المرحلة الابتدائية.
6. الكشف المبكر عن الصعوبات والإعاقات والتكفل بها
من الأهداف المهمة التي أكد عليها القانون الجزائري ضرورة الكشف المبكر عن مختلف أشكال الإعاقة الحسية أو الحركية أو العقلية لدى الأطفال، بالتنسيق بين مسؤولي المؤسسات التحضيرية والهياكل الصحية، بهدف توفير التكفل المناسب بها في وقت مبكر.
وتكمن أهمية هذا الهدف في:
ملاحظة الصعوبات التي قد تواجه الطفل أثناء التعلم.
التعرف على الاحتياجات التربوية الخاصة.
توجيه الطفل نحو الجهات المختصة عند الحاجة.
توفير ظروف تعليمية تتناسب مع قدراته واحتياجاته.
تعزيز فرص اندماجه ومشاركته في الأنشطة التربوية.
وهذا ما يعكس أهمية التربية التحضيرية في مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال وعدم التعامل معهم باعتبارهم متشابهين في قدراتهم واحتياجاتهم.
ثالثًا: أهمية اللعب التربوي في تحقيق أهداف التربية التحضيرية
يحتل اللعب التربوي مكانة مهمة في مرحلة التربية التحضيرية، لأنه يمثل وسيلة أساسية للتعلم واكتساب الخبرات، وليس مجرد نشاط ترفيهي لقضاء الوقت.
ومن خلال اللعب يستطيع الطفل:
اكتشاف الأشياء والظواهر المحيطة به.
تعلم الألوان والأشكال والأعداد.
تنمية قدراته على التفكير وحل المشكلات البسيطة.
تطوير مهارات التواصل والتعاون.
التعبير عن مشاعره وأفكاره بطريقة طبيعية.
اكتساب السلوكيات الإيجابية واحترام القواعد.
ولهذا يعتمد المربي على الألعاب التعليمية والأنشطة الجماعية والفردية لتحقيق الأهداف التربوية بطريقة تتناسب مع الخصائص العمرية والنفسية للأطفال.
رابعًا: دور الأسرة في تحقيق أهداف التربية التحضيرية
لا تقتصر مسؤولية تربية الطفل على المؤسسة التعليمية وحدها، بل تؤدي الأسرة دورًا أساسيًا في دعم المكتسبات التي يحققها الطفل داخل القسم التحضيري.
ويمكن للأسرة المساهمة في تحقيق أهداف هذه المرحلة من خلال:
تخصيص وقت يومي للحديث مع الطفل والاستماع إليه.
تشجيعه على القراءة والاستماع إلى القصص المناسبة لعمره.
مساعدته على التعرف على الألوان والأشكال والأعداد من خلال الحياة اليومية.
تعويده على النظافة والترتيب واحترام الآخرين.
تشجيعه على الاعتماد على نفسه في أداء بعض المهام اليومية المناسبة لعمره.
التواصل المستمر مع المربية لمتابعة تطوره ومستوى تقدمه.
إن التعاون بين الأسرة والمؤسسة التعليمية يساعد على توفير بيئة متكاملة تدعم نمو الطفل وتطوره.
خامسًا: ما الذي ينبغي أن يكتسبه الطفل في نهاية مرحلة التربية التحضيرية؟
ينبغي أن تساعد التربية التحضيرية الطفل على اكتساب مجموعة من الكفاءات والمهارات التي تسهل انتقاله إلى السنة الأولى ابتدائي.
ومن أبرز هذه المكتسبات:
المجال | المكتسبات المنتظرة |
|---|---|
المجال اللغوي | التعبير الشفهي وفهم التعليمات والتعرف على الحروف |
المجال الرياضي | العد والمقارنة والتصنيف والتعرف على الأشكال |
المجال الحركي | تنسيق الحركات والتحكم في المهارات اليدوية |
المجال الاجتماعي | التعاون واحترام الآخرين والعمل الجماعي |
المجال النفسي | تعزيز الثقة بالنفس والاستقلالية |
المجال المعرفي | الملاحظة والاستكشاف والتفكير وحل المشكلات البسيطة |
المجال الفني | الرسم والتلوين والإنشاد والتعبير الإبداعي |
وتختلف وتيرة اكتساب هذه المهارات من طفل إلى آخر، لذلك ينبغي مراعاة الفروق الفردية وتجنب المقارنة بين الأطفال أو الضغط عليهم لتحقيق نتائج متشابهة.
خاتمة
تُعتبر التربية التحضيرية مرحلة مهمة في بناء شخصية الطفل وإعداده للاندماج في الحياة المدرسية، فهي لا تهدف إلى تلقينه المعارف والمعلومات فحسب، وإنما تسعى إلى تنمية مختلف جوانب شخصيته، بما في ذلك الجانب العقلي واللغوي والجسمي والنفسي والاجتماعي.
وقد حدد القانون رقم 08-04 أهداف هذه المرحلة، مركزًا على تنمية شخصية الطفل من خلال اللعب التربوي، واكتساب المهارات الحسية والحركية، وغرس العادات الحسنة، وتطوير القدرات اللغوية، واكتساب المبادئ الأولى للقراءة والكتابة والحساب.
ومن ثم، فإن نجاح التربية التحضيرية يتطلب تعاون الأسرة والمربي والمؤسسة التعليمية، مع توفير بيئة تربوية آمنة ومحفزة تراعي احتياجات الطفل وخصائص نموه، وتجعله أكثر استعدادًا للانتقال إلى التعليم الابتدائي.

تعليقات
إرسال تعليق